سهيلة عبد الباعث الترجمان
596
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
نسبة الصفات من الذات ، ونسبة الكلمات من الحروف نسبة الموجودات ، ونسبة المعاني من الكلمات نسبة التجليات الإلهية في مخلوقاته من غير حلول ، كما أن المعنى لا يحل في الحروف ، كذلك تجلي الحق في مخلوقاته لم يكن ذا حلول فيها " « 1 » ، وفي هذا موافقة لرأي ابن عربي في قوله : " كنا حروفا عاليات لم تقرأ " ويقول شعرا : لا تحسبنّ الحرف قام بنفسه * فقوامه بالنقطة الغرّاء . . . واجزم وقل إن الوجود جميعه * للواحدية مظهر الأجلاء فالكل منه ظهوره وبه بدا * وإليه يرجع في آخر الولاء « 2 » وعليه فإنه لا يرى في الوجود غير اللّه على الحقيقة ، ولما كان اللّه عند الجيلي هو الوجود الحقّي ، فما هو حكم الوجود الخلقي ؟ يظهر الجيلي " مدى عجز الخلق عن إدراك الحق لانعدام النسبة بينهما ، إذ لا سبيل للخلق أن يماثل الحق في معرفته للخلق ، ولذا فإن الوجود الحق لم يعرفه إلا رجلان : رجل شهد العالم مظهر ، والحق تعالى باطن فيه . ورجل آخر شهد الحق تعالى مظهر والعالم هو الظاهر فيه . . . وعلى كلا الوجهين فما في الوجود إلّا حق وخلق « 3 » . وعلى ذلك فلا يمكن النظر إلى الحقيقة الوجودية - في نظر الجيلي - من وجه دون الآخر ، لأن الحق لا يظهر إلا بالخلق من حيث هو خالق وموجد ، والخلق هم آثار الحق ، ولهذا الأمر يقتضى وجود الوجهين كاملين دون انتقاص لأحدهما " فإنك إذا نظرت إلى الخلق عريّا عن الحق فقد أسأت في حقه ، فرجّعت أمره إليه ، واللّه يقول لك أن أمر الخلق راجع إليه سبحانه وتعالى ، فلا أقلّ لك أن تشهد الحق تعالى عندك وتفكر بخلقه ، ألا تراه يقول : أينما تولوا وجوهكم فثمّ وجه اللّه « 4 » " « 5 » . هكذا يثبت الجيلي الوحدة الكاملة للذات الإلهية ، لكن السؤال الذي يقابلنا هو : ما الوجود الذي يتحدث عنه الجيلي ؟ وهل ينظر إليه نظرة ذوقية أم نظرة فكرية ؟
--> ( 1 ) الجيلي ، حقيقة الحقائق ، ورقة 13 ، ص أ . ( 2 ) المصدر السابق ، ورقة 2 ، ص . ص أ - ب . ( 3 ) المصدر السابق ، نسخة مطبوعة ، ص 60 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 115 م ، والآية هي : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . ( 5 ) المصدر السابق ، ورقة 18 ، ص ب .